عمر فروخ
389
تاريخ الأدب العربي
العافية « 1 » لكم . لقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان « 2 » وفكّرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كلّ عيد يذبحون . ولقد أفنى هذان اليومان ، يوم الجمل ويوم صفّين « 3 » ، ما ينيف على مائة ألف كلّهم يزعم أنه طالب حقّ وتابع إمام « 4 » وعلى بصيرة من أمره . فإذا كان الأمر هكذا ، فالقاتل والمقتول في الجنّة ! كلّا ، ليس الأمر كذلك ، ولكن أشكل الأمر والتبس على القوم . وإنّي لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ ، فكيف لامرئ بسلامة دينه ؟ ولقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحمد العاقبتين العافية . وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته - فقد حمدت طاعتكم - إن شاء اللّه . - الخطبة البتراء لمّا ولي زياد البصرة قدمها في غرّة جمادى الأولى من سنة 45 ه ( 20 تموز 665 م ) والفسق فيها كثير فاش ظاهر . فخطب خطبة بتراء ( لم يحمد اللّه فيها ) فقال : أما بعد ، فانّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغيّ الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم ، من الأمور العظام التي ينبت فيها الصغير « 5 » ولا يتحاشى عنها الكبير . كأنكم لم تقرءوا كتاب اللّه ولم تسمعوا ما أعدّه اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته . أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية « 6 » ؟ ألم يكن فيكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار « 7 » ؟ قرّبتم القرابة وباعدتّم الدين : تعتذرون بغير العذر وتغضون
--> ( 1 ) العافية : السلامة من المصائب . ( 2 ) راجع ، فوق ، ص 229 ، 307 . ( 3 ) راجع ، فوق ، ص 307 - 308 ، 351 . ( 4 ) الامام : الخليفة ( وهنا : داعية إلى حق ، أو أنه على حق ) . ( 5 ) ينشأ الصغير وهو يشاهد الأمور العظام ( الاعمال القبيحة ) . ( 6 ) فضل الفانية ( الدنيا ) على الباقية ( الآخرة ) . ( 7 ) نهاة جمع ناه ( من يمنع الآخرين عن عمل الشر ) . غواة جمع غاو ( ضال ، مفسد ) . دلج الليل ( الذهاب في ستر الليل للفسق ) . غارة النهار : الغزو والسرقة .